الرئيسية / القصة / جِنيُّ المذيع.. وليد. ع. العايش
جِنيُّ المذيع.. وليد. ع. العايش

جِنيُّ المذيع.. وليد. ع. العايش

_ جِنيُّ المذياع _
__________

وصلت الرحلةُ بعد مُنتصفِ الليلْ ، السكونُ الذي طالما أحببتهُ كان هنا ، بينما حفيفُ الأوراق يُقلقُ راحة الليل الذي يحاول أن يغفو قليلا ، حملتُ حقيبتي الصغيرة المُهشّمةَ الأضلاع ، كلّ ما فيها أمسى مجرد بقايا ، وانطلقتُ برُفقةِ أخي الصغير الذي مازال في سنواتهِ العشرِ الأولى ، مذياعٌ صغيرٌ كانَ بحوزتي ، تكْسِرُ أمّ كلثوم بصوتها المتراخي بعضَ السكون والخوف ، الذي لم يكنْ قد حضرَ بعدْ ، البيتُ هُناكَ خلفَ تلَّةٍ مُنخفضة ، الدربُ الترابيُّ يكادُ لا ينتهي ، حوافَّهُ تتأرجحُ بين شجيرات وساقية ، دارٌ قديمةٌ مازالت تتشبثُ بالحياة ، رغمَ ويلاتِ الوهنِ التي أصابتها ، تطلُّ عليها شجرة الكينا ، تلك الشجرةُ التي طالما جلسنا تحت ظلالها ونحنُ في طريقِ العودة من مدرستنا كل يومْ ، لم تكن كما عَهِدْتُّها ، بدأ الخوف يتسربلُ خِفّية ، رفعتُ صوتَ المذياع ، حثثَنا الخُطا أكثرَ وأكثرْ ، ضجّةٌ ما … تثور فجأة منْ خلفنا ، تشبثَ أخي بمريولي المدرسي …
– لا تخف إنه صريرُ ريح …
ربما لم يُصدّقني ، سمعتُ هسيسَ بُكاءهِ الخافتْ ، انتابني الخوفُ هذه المرّة…
– إنه جِنيُّ الدارْ … هكذا حكى لنا والدي ذات ليلة…
قال أخي وهو يزددْ تشبثاً بي ، كلماته أعادتني سنوات إلى الوراء ( نعمْ قالها والدي … هنا يَقطنُ الجانُ ، والكلُ يخشى العبورَ ليلاً … يتحاشى هذا الدرب … ) أسْرَرتُ في نفسي…
– إنها حكايةٌ ليس إلاّ … لا تُصدق كلّ ما تسمعْ ، فمعظم الحكايا نَسْجُ خيال ، لا وجود للجانِ يا أخي … ( هل كنتُ أواسيه أم أواسي نفسي … )…
– لكن ألا تسمع صوت قدميه ، إنه خلفنا تماما ….
نظرت إلى الوراء خلسة ، لا شيء يظهر في العتمة ، فالليلة هي من أواخر ليالي الشهر القمريّ ، لكنَّ خبطَ الأقدام يطنُّ في أذنيَّ رغمَ صوتِ المذياع…
كانت المسافة تطول أكثر ، ضجيجُ القدمين أصبح أمامنا ، يا للرعبْ ، هل حقاً هو الجنيُّ الذي أخبرنا به والدي ؟ … لم يعدْ يسير كما نحن ، كانت قدماه تخبطانِ الأرضَ بقسوةْ ، قلبي حينها كادَ يفرُّ هارباً ، بينما بُكاءُ أخي أمسى مسموعاً…
خيالٌ أسودُ يلوحُ ثُمَّ يختفي ، مرّةً في الأمامْ , وأخرى منْ الخلف ، يدنو أكثرَ مِنّا ، المِذياع يضْطربُ ، كلماتهُ أصبحتْ شعثاءَ الشعرِ ، الليلُ يضرِبُ موعداً مع الخوفْ ، لا بُدَّ منْ قرارٍ ما ، (قلتُ)
– هاتِ يدكَ … وحين أشدُّ عليها تجري معي بكل ما تملكُ منْ سرعة ولا تنظر خلفكْ…
استجابَ أخي ، الآنَ فقط اختفى ذاكَ الشبحُ الجنيُّ ، فضجيجُ أقدامنا أصبحَ يركِلُ الخوفَ ، البيتُ يلوحُ في العتمةْ ، تنفسّنا قليلاً , كُنّا نلهثُ كما كلبين صغيرين…
– أين المذياع ، أين المذياع … سألتُ … ضحِكَ الطفلُ بعدما بللَ بِنطاله بشيءٍ ما
– سرقهُ الجنيُّ , سرقهُ الجنيُّ …
…. الليلُ يُشهرُ سيفهُ !!! …
__________
وليد.ع.العايش

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن الشاعر المعز رمرم رئيس مجلس الأ دارة

د/المعز صديق فرح رمرم * تجسيد حقيقي لوحدة شعبى وادي النيل العظيم احمل كلا الجنسيتين لشعبي وادي النيل مصر والسودان * مدير عام شركات السيفين للزيوت والزيوت العطرية والصابون والكيماويات  بأفريقيا. * ماجستير ادارة الاعمال (ادارة وتكاليف) * زمالة المحاسبين الفنيين البريطانيين ACCA (تخصص محاسبة الادارة والتكاليف) * ماجستير الاعلام (مفهوم الاعلام التقني المعاصر وفنون الاتصال). *دكتوراة في الادب العربي(الجواري واثرهن في الشعر العربي في الأندلس) * رئيس ومدير مكتب اتحاد الاعلاميين العرب بالسودان والعضو الذهبي بالاتحاد * عضو اتحاد الادباء والكتاب السودانيين * عضو اتحاد الكتاب والشعراء العرب * عضو النقابه العامه للصحافه والطباعه والنشر  بماسبيرو *رئيس مجلس الإدارة ومؤسس مؤسسة وادي النيل للمبدعين مظلة كل مبدع عربي. *صاحب ومالك الموقع الالكتروني الخاصwww.wadielnele.com وهي مجلة وادي النيل للمبدعين العرب.
إلى الأعلى