الرئيسية / القصة / يوميات رمضان 26 ) _ قوافل الرحيل _ وليد.ع.العايش
يوميات رمضان 26 )  _ قوافل الرحيل _ وليد.ع.العايش

يوميات رمضان 26 ) _ قوافل الرحيل _ وليد.ع.العايش

( يوميات رمضان 26 )

_ قوافل الرحيل _
————-
المطرُ مدراراً هذه الليلة ، الرياحُ تضرِبُ كلّ ما يواجهها بلا رحمة ، الرعدُ يدوي في السماء ، بينما البرقُ يعانقُ عشيقته , السهرةُ ماتزالُ تُقاوم بدايتها ، حكايا تتبعثرُ على رصيفِ العمرِ الطويل ، كم مرّت عليها السنون ، لم تشبعْ مما ابتلعتْ في جوفها الأحمق ، زيادُ يحزِمُ حقائبه ، غداً موعدُ السفر الأول
– لا تنسى يا ولدي بأننا هنا بانتظارك ، وأن زوايا الدار ستشتاقُ إليكَ كلّ مساء ، غداً سنسهرُ بدونك … أدمعت عيون الأب الخمسيني ، لكنّهُ أخفى دموعه في محراب رجلٍ لم يعرفهُ البُكاء … في تلك الأثناء كانت الأمّ تتفقّدُ آخر أشياء ابنها المسافر ، رمقتْ سريرهُ بنظرةٍ مُتثاقلة ، صوتُها ما عاد كما كان بالأمس ، لكن الأمل أسكتها ( سيعود إلى ميداننا ، إنّه زياد ، أنا التي تعرفه .
عندما ولج الفجرُ كان المطر قدْ غادر ، قوافلُ الرحيل تنادي آخر المسافرين ، الضباب لملم بقايا زياد
– انظري يامرأة … هذا زياد سافر للدراسة ، وبعد شهر سيغادر روادُ إلى الجيش ، ورائدةُ تُجهّزُ نفسها للعُرس الكبير … صمت لحظات…
سنبقى وحيدين يا أمَّ زياد
– سيعودون يا أبا زياد ، إنْ شاء الله سيعودون ونجتمعُ مرّة أخرى, أعرفُ أولادي أكثر منك …
هل كانت تواسي نفسها ، أمْ تواسي زوجها رقيق القلب ، وهي تعلمُ تعلقهُ بأولاده الثلاثة ، رُبّما كل هذا كان يتدثّرُ بينَ كلماتها التي توقفت خجلى بلا حراك … شهرٌ آخر كان كافياً لتكرار المشهد الأول ، روادُ يلتحِفُ أشياءه ويغادرْ ، كان شغوفاً بالبذّةِ العسكرية ، ترك دراسته منذُ سنةٍ منتظراً هذه اللحظة…
– حماك الله يا بني … حماك الله …
– إنني رجلٌ يا أبي ، وكيفَ لا أكونُ وأنتَ من علمني معنى الرجولة…
أُسقِطَ في يدِ أبي زياد ، فلا حاجةَ لجوابْ ، القُبلات تنهمرُ كما مطر تلكَ الليلة منذُ شهر ، رائدةُ تختلسُ النظرات ، فقدَتْ أخويها في زمنٍ قصير ، لم يكنْ يُشبِهُ الزمنَ العادي ، ساعتها توقفت عن الدوران , جمالها كادَ يفقدُ أكثرَ دوافعه ، الصمتُ يسود الميدان ، الدارُ تبكي ظِلّ المسافرين ، شجرةُ اللبلاب بعثرتْ مُعظم أوراقها ، أما المطرُ فعادَ من غفوةٍ لمْ تدمْ كثيراً … المدفأةُ باتت تكفي لثلاثة ، ومائدةُ الطعام تشي همَّها للصحون القرمزية ، ربطةُ خبزٍ ، وبعضُ البيضِ ، وجبنٌ أبيضْ ، فرّتْ حبّاتْ الزيتون …غادرَ المطر أيضاً هذه المرّة ، العائلة الكبيرة أصبحتْ اثنانِ فقط ، يا لقسوتكِ أيتّها الأيام …
– وحيدان نحنُ يا أمَّ زياد … وحيدان …
– اللهُ ثالثُنا يارجل … اهدأ … الموسم كاد ينتهي ولم تجمع المحصول …
أربعةُ سنواتٍ مضت ، لم تشبعْ مما ابتلعتْ من أيامٍ , ودموعا ساخنة ، أشعلَ أبو زياد المِدفأة ، المطرُ حينها عادَ منْ رحيلٍ طويل المذاق ، حبّاتُ الزيتون عادتْ إلى المائدة في تلك السهرة …
___________
وليد.ع.العايش
26 / رمضان/2017م

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن ﺍﺣﻠﺎﻡ المهندس ﺳﻜﺮﺗﻴﺮ ﻣﺪﻳﺮ التحرير

ﻣﺤﺮﺭﻩ ﻭﺑﺎﺣﺜﻪ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﻪ ﺑﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊوالحوادث ﻋﺮﺑﻴﻪ ﺍﺻﻴﻠﻪ ﻭﻟﺪﺕ ﻭﺗﺮﻋﺮﺕ ﺑﺎﻟﻤﻬﺠﺮ ﻭﻟﻜﻨﻲ ﻣﺎﺫﺍﻟﺖ ﺗﻠﻜ ﺎﻟﻤﻬﺮﻩ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﻪ ﺍﻟﺎﺻﻴﻠﻪ ﺣﺎﺻﻠﻪ ﻋﻠﻲ ﻣﺎﺟﺴﺘﻴﺮ ﺍﻟﺼﺤﺎﻓﻪ ﻭﺍﻟﺎﻋﻠﺎﻡ ﺍﻋﻴﺶ ﺑﻠﻨﺪﻥ ﺍﻟﻌﺎﺻﻤﻪ ﺍﻛﺘب ﺍﻟﻨﺜﺮ ﻭﻟﻲ ﻋﺪﻩ ﺑﺤﻮﺙ ﺑﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺣﻮﺍﺩﺙ ﺍﻟﺠﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﻪ ﻋﻠﻲ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺨﺼﻮﺹ ﺑﺎﻟﻤﻬﺤﺮ ﻭﺍﺛﺮ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻪ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﻪ ﻋﻠﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺎﻗﻠﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻋﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﻪ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﻩ. ﺍﻛﺘب النثر
إلى الأعلى