الرئيسية / القصة / رسالة لم شمل *-* عمر الخيام الدمشقي
رسالة لم شمل *-* عمر الخيام الدمشقي

رسالة لم شمل *-* عمر الخيام الدمشقي

قصة قصيرة جدا

بعنوان

رسالة لم شمل

+++++++++++++++++

ابو عبد الرحمن في لقائه الاخير مع صديقه ابو حسين

قال ..اريد شحن الجوال كيف

ابو حسين ..اليوم الكهرباء لم تأتي بعد أنتظر حتى تأتي الكهرباء وتشحن الجوال ..

ابو عبد الرحمن ,و لما إذا هذا التقنين اللعين .. الصراحة لا افهم له معنى سوى زيادة قهرنا ,,

ابو عبد الرحمن ..هل بقي عندك الشاحن ليلة امس اظن اني قد نسيته عندك ؟

ابو حسين.. نعم اظن هو مازال في قابس الكهرباء معلق في مكانه كما وضعته انت ,, انظر الية واشار له بيده بتجاه قابس الكهرباء .

ضحك ابو عبد الرحمن . ثم قال بعد ان تنهد يبدو اني خرفت قد انسى نفسي يوما ما في مكان ولا اعرف كيف اعو إلى بيتي . هل تظن ان هذا يحدث معي , قال ابو حسين ,, نعم معك انت كل شيء ممكن ,

ابو عبد الرحمن, ارجوك اشحن لي هذه البطارية اليوم اريده ان تمتلئ ,, انها البطارية الثانية . سوف أ خبر أو دي انه عليهم جمع مبلغ من اجل شراء مولدة , ولكنهم غير موجودين ؟

زرف بعض الدمعات على فراق الابناء وضع يده على ذقنه وهو يمسد لحيته التي طالت ؟ اصبح اطلاق اللحى سمة الجميع ليس تدينا ابدا انما توفيرا للمال فليس الجميع معهم المال لزيارة الحلاق كل اسبوع , نهض من مكانه مودعا صديقه ابو حسين

عائدا إلى المنزل كما هو الحال كل يوم.

جلس في داره وحيدا يفكر ,, قال دون ان يدري ما يقول كم علي ان انتظر هنا يا رب هل اموت وحيدا ..

قالها وفي النفس حرقة و مرارة وألم شديد وحرقة الفراق كانت اشد ألم .زفر من صدره اخر زفرة نفس كاد يظنها اخر انفاسه قد يطلقها من صدره .. وقال اليوم قبل الرحيل؟

الجميع غادر سافر هاجر ترك خلفه كل شيء لماذا الجميع فر وترك المكان فارغا ,,الجميع ولى مدبرا إلى أماكن بعيدة جدا عن هذه المدينة اللعينة التي سكنها الشيطان ودخل في كل بيت فيها وشتت اهله وفرق الاحبة عن بعضها ,, قال وفي النفس حسرة تزيد حسرة .الجميع ظن انه نجى بنفسه من الموت الا انا بقيت هنا أعيش وحيدا اعيش الألم مرتين اعيش ألم الفراق وألم الخوف اعيش بين المطرقة والسندان .. اعيش على ذكراهم الباقية .. هناك رنين صدى في كل ركن من هذا البيت ,,,او حي او شارع او مكان .. اعيش مع فراغ ثلاثين سنة من الصخب والضجيج وصراخ الاطفال ولعبهم وتنطيطهم هنا وهناك فجأة واحدة اختفى كل شيء ,, اكتشف ابو عبد الرحمن .. توقف الحياة كلها اختفت مرة واحدة كل شيء انتهى ..اين ذهب هذا الضجيج لم يعد الجيران يتذمرون من حركات الاقدام الكثيرة والمتكررة في ارض البيت لم يشكي احد من الضوضاء التي يحدثونها الاطفال في البيت من اللعب والجري المتكرر في المنزل

فلم يبقى من هؤلاء القوم الا احذيتهم وملابسهم المعلقة على باب المنزل تنتظرهم بقيت تنتظرهم ؟

الساعة الان كم هي لا اعرف التاريخ الان لا اعرف المكان الان لا اعرف اين انا لا اعرف يا الله لا اريد المعرفة يا الله ارجعني الى ما قبل الوعي لا اريد تذكر شيء مما حصل ..

اصعد كل يوم درجات السلم الى البناء الفارغ لا اسمع الا اصوات اقدامي وازيز رصاص من هنا او هناك لا اعرف المصدر من اين لكن اصبحت خبيرا في تلك الاصوات نعم استطيع تميز الاصوات واعرف انواع القذائف و اصوات الانفجارات اين وقعت اعرف من شدتها او من خبوها هنا او هناك تعلمت من الوحدة الانصات الى الاصوات ؟

ارى الاشياء وهي تتحرك في المنزل من قوة الارتجاجات تقع على الارض فلا اريد اعادتها الى مكانها بعض الصمديات والتحف الصغيرة تكسرت انها تقع من شدة الارتجاج .

اسمع صراخ زوجتي وهي تحدثني على الجوال وتقول بصوتها العالي لي انتبه على الاشياء انها غالية الثمن جدا قد دفعنا بها دم القلوب هذه القطعة اشتريتها انا وانت من لبنان حين كنا في زيارة لبيروت اتذكر هناك بائع الزجاج قبل الحدود السورية كم تجادلنا معه حتى خفض لنا من السعر اتذكر كم رجونا رجال الحدود حتى نمضي دون ان ندفع المزيد من المال ونحن نرجوهم انها من اجل تجهيز البنات ..

وهذه انها من ذكرى زواج ابنتنا عفاف وزوجها عاصم

اما تلك العلبة الثمينة انها العلبة الذهبية انها هدية امي انتقلت الي من امها كانت تضع الاشياء الثمينة بها انها ثمينة جدا وهذا الفانوس وذاك القنديل انه من ابوك رحمه الله اتذكر حين اهداك هذين القنديلان.. وقال لك هذان كانا في بيتنا قبل وصول الكهرباء لسوريا والصحون والفناجين واللوحة التي على الجدار اتذكر انها من رسم عبد الرحمن ولدنا

حين رسمنا جميعا عندما كان طفلا واقسمت ان تجعل له هذا الرسم تذكار معلق الى هذه الساعة ..اتذكر حين اشتريت له علب الالوان ووعدته ان تجعل اللوحة في اطار جميل وتعلقها على الجدار ان رسمها بشكل جميل وانيق نعم انه رسمها كما طلبت منه رسمها بكل حواسه ..ووضع فيها روحه ورسم معها المدرسة والحافلة وبقية الطلاب في الصف والمعلمة و حتى الموقد رسمه ..

ا ترى تلك الارجوحة المعلقة وهذا الرجل في اللوحة صاحب البطن الكبير حين سألته من هذا قال لك انه انت

وضحكنا جدا يومها اتذكر هذه الفتاة التي تلعب على الحبل الطويل اتذكر لما سألته لما الحبل طويل جدا وشعرها منكوش هكذا انه كيف اجابك بلا تردد ,,ان شعرها يطير بالهواء لأنها ترتفع وتعلوا مع الهواء وتقفز مع الحبل

انه ولدنا عبد الرحمن الرسام الصغير

وهذا عود ايمن المركون مذ رحل عنا انه يعشق العزف على العود.. اتذكر حين ذهبنا انا وانت الى محل بائع الاعواد الموسيقية في سوق المدينة واشترينا له العود..

كم كانت فرحته حين احتضن العود الى صدره .

كان قد اخرج كل ما جمع من مكمورته وما جمع من عيادي كان أدخر كل قرش .. اذكر ان الرقم فاق المائتين ليرة وعشر ليرات ورقيه والبقية فراطة معدنية .

كان يد خرهم في علبة معدنية يخبأها دوما تحت سريره

وتذكر يومها انك اكملت له ثمن العود كان ثمن العود على ما اذكر الف وسبع مائة ليرة نعم انه غال جدا ولكنه عود مميز حين حمله في الطريق وسار بين الناس وهو يحمله وكاد يطير فرحا حتى انه كاد ان يتعثر به..

وحين دخلنا من المبنى وشاهد جارنا ابو ابراهيم العود مع عبد الرحمن ماذا قال لنا وضحك جدا

كمل النايل بالزعرور وهي زاد في الطنبور نغم

وكيف ضحكنا جميعنا .

يعني الا يكفي صراخ وضجيج ودبك .. وهذا العود اليوم متى تشترون الطبل ان شاء الله

وضحكنا على درج البناء حتى انك وعدت جارنا اذا نجح محمود في الاعدادي سوف تشتري طبلا وتقرعه وتحضر فرقة عراضة شامية وتحتفل بنجاحه اتذكر وعدك؟

وكيف سخر جارنا من هزلك هذا في ذاك اليوم

وكان يتهكم عليك حتى صعدنا الدرج وجارتنا فتحت الباب لترى العود ايضا وتقول لنا بسخريتها المعهودة ..كان ناقصنا والله ودخيلك مين يلي رح يغني فيكم ان شاء الله.

يعني بفهم اعتبارا من اليوم رح يشتغل القرع والدبك شو رأيك جارنا نعزل من البناء وتبقى انت والفرقة تبعك وحدك في البناء .. وانت أخبرتها بعد ان هدئت من خاطرها ان العزف سيكون على سطح البناء فقط وفي ايام مخصصة

وهذه قصص ليلى نعم انها ليلى العشوائية انها مبعثرة هنا وهناك دوما تضع القصص في كل مكان في البيت حتى في المطبخ تترك رواية كانت تقرأ بها وتنظف المطبخ حين اناديها وهي تقول اني انظف المواعين وهي تكون جالسة غارقة في رواية غادة السمان.

اعلم انك لا تحب هذا الاسلوب ولكن كنت دوما تقول انها فيلسوفة زمانها سوف تكون روائية كبيرة في المستقبل

وهذه اشياء عزيزة مكدسة هناك انها تدرس في كلية الفنون ما تلك الاشياء هناك وجوه ورسومات ولوحات عبد الرحمن كان يغار جدا من كثرة اللوحات المركونة بجانب الجدران ويريد له مكان على الجدار

كان الصراخ كل يوم يعم المنزل والشكاوي من الجميع

اتذكر فنجان القهوة حيث كنت تفضل ان تشربه على سلم البناء هربا من ضجيج الاولاد

ويجالسك جارنا ابو عاصم الذي صاهرنا واصبح نديمك اينما كنت تكون يكون هو معك .

اقول لك لملم الاشياء المبعثرة في المنزل انها تمتلئ غبار لما لا تقوم بتنظيف المكان من حولك ما بك انها تنطق بالحياة انها اغلى ما بقي لنا .

هل ما زال كرسيك الهزاز في مكانه وصحون السجائر من حولك ممتلئة بالأعقاب هنا وهناك هل ما زلت تترك الصحون في كل مكان كعادتك ؟

كان يسمعها على الجوال وهي تحدثه عن كل شيء وتذكره بكل شيء الى الان ما زال يجهل اين تضع الاشياء مازال يخبرها ويسالها اين تضعين البهارات

كان اخر اتصال بيننهم ليلة الامس كانت تتحدث اليه في الساعة الخامسة صباحا.

وكانت كحاته وسعاله تخرج من صدره تصدر خريرا من كثرة مجه السجائر ..

قالت تلك السجائر التي تشربها لقد ارتفع شربك للدخان جدا في الفترة الاخيرة ما بك الا تهتم الى صحتك ..وهو يستمع اليها وهي تزمجر غاضبة منه الم يوصيك الطبيب بترك السجائر

حبيبي اليوم اتاني خبر جميل جدا جميعنا كنا ننتظره انا وانت واخيرا يا حبيبي

سوف يعاد لم شملنا من جديد وتروي لي عن الايام التي كنت فيها وحدك كيف مضت السنين

زوجي الحبيب اليوم اتاني رسالة عبر البريد الإلكتروني تخبرني ان الموافقة اتت اخيرا بعد صبر ست سنوات وافقت ادارة الولاية هنا على لم الشمل لنا ؟

اخير يا زوجي سنجتمع ونستعيد بعضا من ذكرياتنا سوف تخبرني كيف امضيت الايام بدوني وحيدا وكيف صبرت على هذا البعد الم تشتاق الي ايها الحبيب انسيت غادتك التي كنت تتغزل بها دوما..

زوجي الحبيب ان الحرب التي اخرجتنا من دارنا وديارنا رغما عنا هي حرب مجنونة ظالمة, حرب عبثية من افتعل هذه الحرب لا يعرف ما حل بنا ؟

ان لهذه الحرب ان تنتهي . أن لهذه الحرب ان تتوقف .ويخلق مكانها ارض الحب.. و أن لهذه القذائف ان تتوقف الموت لم يفرق بين احد . نعم أن للناس ان تعود الناس اكتوت بنار الحرب لابد ان تعود الى حياتها سوف نعود ونجتمع من جديد زوجي الحبيب..

اتعلم ان عزيزة في استنبول تعيش خوفا من الترحيل

وعبد الرحمن في السويد يعيش في كامب مع الغرباء لا يعرف من كل البلدان هناك بشر مهاجرين .. لا نعلم مع من المهاجرين الان هو..

وايمن خرج ولم يعد اختفى في ظروف غامضة ولم تأتي اخبار عنه الى هذه اللحظة؟

حبيبي

غدا عليك السفر الى بيروت.. لمراجعة السفارة هناك قد تم حجز موعدا لك هناك والاوراق وصلت الى السفارة اترك المنزل في عهدة من بقي من الجيران ولا تهتم لما بقي من الاغراض الناس هم طيبون جدا سيحافظون على بيتنا لا تخشى شيء بعد اليوم..

الجيران اهلنا تحملوا منا الكثير نعم قد تحملوا منا الكثير وهم يحبوننا برغم كل شيء ونحن ايضا نحبهم اتذكر كيف كنت تعزم الجيران في جميع المناسبات على سطح البناء وتقيم لهم الولائم والعزائم والسهرات انهم يحبوننا زوجي الحبيب اني انتظرك بفارغ الصبر ليلتئم شملنا من جديد,,

اريد ان اختفي بين يديك واحتضنك كم اشتقت اليك هنا كل شيء بارد كل شيء جامد فلا اجد عاطفة ولا اجد لذة في الطعام ولا في الشراب ولا حتى في المنام

الكوابيس دوما كل يوم هنا تقتلني اعاني من الرهاب اسمع صراخ وعواء ذئاب الطبيب النفسي هنا يقول لي انها كوابيس واحلام ستزول مع زوال اسباب الحرب,,

كان ابو عبد الرحمن يقرأ الرسالة التي وردته عبر واتس اب ولكن لم يكمل قراءة بقية الرسالة الى اخرها لان النفس الاخير قد صعد الى السماء ؟

وقع الرجل على ارض المنزل الفارغ من كل شيء حتى من الصدى الذي يرتد على الجيران لم يسمع احد في البناء هذه السقطة المدوية هذه المرة صوت الوقوع كان خفيفا لم ينتبه للصوت احد سقط و لفظ النفس الاخير وبقي مستلقيا على الارض لمدة ثلاثة ايام بلا حراك..

حتى تذكر صديقه ان ابو عبد الرحمن لم يخرج من المنزل له ثلاثة ايام كان يعرفه و يجالسه دوما..

ايضا الرجل كان ينتظر لم شمله مع اسرته في أوربا

تذكر هذا الصديق ابو عبد الرحمن

صعد يطرق الباب لم يرد احد فليس من مجيب له

ولكن الباب غير موصد بأحكام فتح الباب وكان المشهد رهيبا رجلا مستلقيا على الارض وبيده الجوال

وكانت رسالة لم شمل ما زالت مفتوحة ؟؟؟

لم يبقى احد من اسرة هذا الرجل حتى تشيعه الى مثواه الاخير حتى اضطر الرجل ان يبلغ السلطات التي اتت بدورها تحمل جثة الرجل معها الى مكان مجهول وتدفنه مع الغرباء؟

تم الدفن بلا تاريخ بلا زمن بلا عنوان وبلا مشيعين

تمت تلاوة الرسالة ؟

عمر الخيام الدمشقي

استنبول المنفى

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن ﺍﺣﻠﺎﻡ المهندس ﺳﻜﺮﺗﻴﺮ ﻣﺪﻳﺮ التحرير

ﻣﺤﺮﺭﻩ ﻭﺑﺎﺣﺜﻪ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﻪ ﺑﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊوالحوادث ﻋﺮﺑﻴﻪ ﺍﺻﻴﻠﻪ ﻭﻟﺪﺕ ﻭﺗﺮﻋﺮﺕ ﺑﺎﻟﻤﻬﺠﺮ ﻭﻟﻜﻨﻲ ﻣﺎﺫﺍﻟﺖ ﺗﻠﻜ ﺎﻟﻤﻬﺮﻩ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﻪ ﺍﻟﺎﺻﻴﻠﻪ ﺣﺎﺻﻠﻪ ﻋﻠﻲ ﻣﺎﺟﺴﺘﻴﺮ ﺍﻟﺼﺤﺎﻓﻪ ﻭﺍﻟﺎﻋﻠﺎﻡ ﺍﻋﻴﺶ ﺑﻠﻨﺪﻥ ﺍﻟﻌﺎﺻﻤﻪ ﺍﻛﺘب ﺍﻟﻨﺜﺮ ﻭﻟﻲ ﻋﺪﻩ ﺑﺤﻮﺙ ﺑﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺣﻮﺍﺩﺙ ﺍﻟﺠﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﻪ ﻋﻠﻲ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺨﺼﻮﺹ ﺑﺎﻟﻤﻬﺤﺮ ﻭﺍﺛﺮ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻪ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﻪ ﻋﻠﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺎﻗﻠﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻋﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﻪ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﻩ. ﺍﻛﺘب النثر
إلى الأعلى